ابن أبي الحديد

6

شرح نهج البلاغة

وروى الزبير بن بكار في كتاب " الموفقيات " عن عمه ، عن عيسى بن داود ، عن رجاله ، قال : قال ابن عباس رحمه الله : لما بنى عثمان داره بالمدينة ، أكثر الناس عليه في ذلك ، فبلغه ، فخطبنا في يوم جمعة ، ثم صلى بنا ، ثم عاد إلى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله ، ثم قال : أما بعد ، فإن النعمة إذا حدثت حدث لها حساد حسبها ، وأعداء قدرها ، وإن الله لم يحدث لنا نعما ليحدث لها حساد عليها ، ومنافسون فيها ، ولكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ، ما كان إرادة جمع المال فيه ، وضم القاصية إليه ، فأتانا عن أناس منكم أنهم يقولون : أخذ فيئنا وأنفق شيئنا ، واستأثر بأموالنا ، يمشون خمرا ( 1 ) ، وينطقون سرا ، كأنا غيب عنهم ، وكأنهم يهابون مواجهتنا ، معرفة منهم بدحوض حجتهم ، فإذ غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا . وقد وجدوا على ذلك أعوانا من نظرائهم ، ومؤازرين من شبهائهم ، فبعدا بعدا ! ورغما رغما ! ثم أنشد بيتين كأنه يومئ فيهما إلى علي عليه السلام : توقد بنار أينما كنت واشتعل * فلست ترى مما تعالج شافيا تشط فيقضى الامر دونك أهله * وشيكا ، ولا تدعى إذا كنت نائيا . ما لي ولفيئكم وأخذ مالكم ! ألست من أكثر قريش مالا ، وأظهرهم من الله نعمة ! ألم أكن على ذلك قبل الاسلام وبعده ! وهبوني بنيت منزلا من بيت المال ، أليس هو لي ولكم ! ألم أقم أموركم ، وإني من وراء حاجاتكم ! فما تفقدون من حقوقكم شيئا ، فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت ، فلم كنت إماما إذا ! ألا وإن من أعجب العجب ، أنه بلغني عنكم أنكم تقولون : لنفعلن به ولنفعلن ! فبمن تفعلون ، لله آباؤكم ! أبنقد البقاع أم بفقع القاع ، ألست أحراكم إن دعا أن يجاب ، وأقمنكم إن أمر أن يطاع ! .

--> ( 1 ) في المثل : ( هو يدب له الضراء ، ويمشي له الخمر ) ، يقال لمن ختل صاحبه .